ابن أبي الحديد
29
شرح نهج البلاغة
ثم ذكر أنه لا يرى التقوى نافعة إلا مع حبس اللسان ، قال : فإن لسان المؤمن وراء قلبه ، وقلب الأحمق وراء لسانه ، وشرح ذلك وبينه . فإن قلت : المسموع المعروف : ( لسان العاقل من وراء قلبه ، وقلب الأحمق وراء لسانه ) ، كيف نقله إلى المؤمن والمنافق ؟ . قلت : لأنه قل أن يكون المنافق إلا أحمق ، وقل أن يكون العاقل إلا مؤمنا فلأكثرية ذلك ، استعمل لفظ ( المؤمن ) ، وأراد العاقل ، ولفظ ( المنافق ) وأراد الأحمق . ثم روى الخبر المذكور عن النبي صلى الله عليه وآله وهو مشهور . ثم أمرهم بالاجتهاد في أن يلقوا الله تعالى وكل منهم نقى الراحة من دماء المسلمين وأموالهم ، سليم اللسان من أعراضهم ، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله : ( إنما المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ) ، فسلامتهم من لسانه سلامة أعراضهم ، وسلامتهم من يده سلامة دمائهم وأموالهم ، وانتصاب ( تهزيع ) على التحذير ، وحقيقته تقدير فعل ، وصورته : جنبوا أنفسكم تهزيع الأخلاق ، ف ( إياكم ) قائم مقام أنفسكم ، والواو عوض عن الفعل المقدر ، وأكثر ما يجئ بالواو ، وقد جاء بغير واو في قول الشاعر : إياك إياك المراء فإنه * إلى الشر دعاء وللشر جالب وكان يقال : ينبغي للعاقل أن يتمسك بست خصال ، فإنها من المروءة : أن يحفظ دينه ويصون عرضه ، ويصل رحمه ، ويحمى جاره ، ويرعى حقوق إخوانه ، ويخزن عن البذاء ( 1 ) لسانه . وفى الخبر المرفوع : ( من كفى شر قبقبه وذبذبه ، ولقلقه ، دخل الجنة ) .
--> ( 1 ) البذاء : السفه والفحش في المنطق .